أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
103
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
و « الْجُودِيِّ » : جبل بعينه بالموصل . وقيل : بل كل جبل يقال له : جودي ، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل . 2868 - سبحانه ثمّ سبحانا يعود له * وقبلنا سبّح الجوديّ والحمد « 1 » ولا أدري ما في ذلك من الدلالة على أنه عام في كل جبل ، وقرأ الأعمش وابن أبي عبلة بتخفيف « ياء » الجودي قال ابن عطية : « وهما لغتان » ، والصواب أن يقال : خففت ياء النسب وإن كان لا يجوز ذلك في كلامهم الفاشي . قوله : بُعْداً منصوب على المصدر بفعل مقدر ، أي : وقيل ابعدوا بعدا فهو مصدر بمعنى الدعاء عليهم ، نحو : جدعا يقال : بعد يبعد بعدا إذا هلك قال : 2689 - يقولون لا تبعد وهم يدفنونه * ولا بعد إلّا ما تواري الصّفائح « 2 » و « اللام » إما تتعلق بفعل محذوف ، ويكون على سبيل البيان كما تقدم في نحو : « سقيا ووعيا » ، وأن يتعلق ب « قيل » ، أي : لأجلهم هذا القول . قال الزمخشري : « ومجيء أخباره عن الفعل المبني للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء ، وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر ، وتكوين مكون ، وأن فاعل هذه الأفعال فاعل واحد لا يشارك في أفعاله ، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره : يا أرض ابلعي ماءك ( ويا سماء أقلعي ) ، ولا أن يقضي ذلك الأمر الهائل إلا هو ولا أن تستوي السفينة على الجودي وتستقر عليه إلا بتسويته وإقراره » ، وكما ذكرنا من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤوسهم لتجانس الكلمتين ، وهما قول : « ابْلَعِي » ، و « أَقْلِعِي » ، وذلك وإن كان الكلام لا يخلو من حسن ، فهو كغير الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللب وما عداها قشور . قلت : يعني أن بعض الناس عدّ من الفصاحة في الآية التجانس ، فقال : إن هذا ليس بطائل بالنسبة إلى ما ذكر في المعاني ، لعمري لقد صدق ، ولما حكى الشيخ عنه هذا الكلام الرائع لم يكن جزاؤه عنده إلا ( أن قال ) « 3 » : « وأكثره خطابة » ، وقول الزمخشري : ورقصوا لها رؤوسهم يحتمل أن يريد ما يحكى أن جماعة من بلغاء زمانهم اجتمعوا في الموسم بعرفة وتفرقوا على أن يعارض كل منهم شيئا من القرآن ليبرزوا قولهم في الفصاحة ، فتفرقوا على أن يجتمعوا في القابل ففتح أحدهم قيل : هو ابن المقفع ، فتح المصحف فوجد هذه الآية فلعّ لها وأذعن وقال : لا يقدر أحد أن يصنع مثل هذا . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 45 إلى 46 ] وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ( 45 ) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) قوله : فَقالَ . عطف على « نادى » قال الزمخشري : « فإن قلت : فإذا كان النداء هو قوله : « رَبِّ » فكيف عطف « قال ربّ » على « نادى » بالفاء ؟ قلت : أريد بالنداء إرادة النداء ، ولو أريد النداء نفسه لجاء ، كما جاء في قوله : إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ « 4 » .
--> ( 1 ) البيت لأمية بن الصلت أنظر ديوانه ( 30 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 326 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 348 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 1 / 37 ) ، الهمع 1 / 190 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 290 ) ، والشاهد فيه : ( 2 ) توارى أي استتر يقال وأريت الشيء : أخفيته . ( 3 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 228 ) . ( 4 ) سورة مريم ، الآيتان : ( 3 - 4 ) .